فحص اللا أَلفيَّة: هل الكنيسة هي ملكوت الألفية؟
1. المقدّمة
اللاهوت الأميلي (أميلينيالية) هو أحد أكثر المذاهب تأثيرًا في علم أخرويات الكتاب المقدّس. تعتنقه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، وكثير من اللاهوتيين المُصلَحين والإنجيليين (مثل أوغسطينوس، لوثر، كالفن، بركهوف، هوكما). يقرأ هذا المذهب الأصحاح العشرين من سفر الرؤيا قراءة رمزية، ويفهم “الألف سنة” لا كملكٍ أرضيٍّ مستقبلي، بل كعصر الكنيسة الحاضر.
سيتناول هذا المقال (1) شرح ما يعلّمه اللاهوت الأميلي، ثم (2) تقييم هذا النظام كتابيًا، خصوصًا في ضوء رؤيا 20 ونصوص العهدين القديم والجديد ذات الصلة. والسؤال الجوهري هو: هل عصر الكنيسة نفسه هو ملكوت الألفية؟
2. المعتقدات الجوهرية في اللاهوت الأميلي
2.1 معنى "الألفية" والملك الحاضر
مصطلح الأميلينيالية يعني حرفيًا “لا ألفية”، لكن الأميليين يؤكّدون أنهم لا ينكرون وجود “ألفية” بحد ذاتها، بل ينكرون وجود حكم مستقبلي أرضي حرفي لألف سنة للمسيح.
إقرارات أساسية:
- إن “الألف سنة” في رؤيا 20: 1–6 هي:
- رمزية لا زمنية حرفية.
- فترة “طويلة وكاملة” بين المجيء الأول والمجيء الثاني للمسيح.
- إن ملكوت الألفية حاضر الآن:
- المسيح يملك روحيًا من السماء (وفي الكنيسة) خلال هذا الدهر الحاضر.
- بعض الأميليين يرون أن رؤيا 20 تصوّر قدّيسي الله وهم يملكون في السماء (مثل هوكما وهندريكسن).
- وآخرون يرونها تصويرًا لملك المسيح من خلال الكنيسة على الأرض (كما عند أوغسطينوس).
وبالتالي، فإن عصر الكنيسة = الألفية؛ ولا توجد مرحلة زمنية مستقبلية متميزة في التاريخ بين المجيء الثاني والحالة الأبدية.
2.2 تقييد الشيطان
يفسّر الأميليون رؤيا 20: 1–3 كتنبّؤ قد تحقّق بالفعل:
«فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ»
— رؤيا 20: 2
ويقولون:
- إن الشيطان “قُيِّد” في المجيء الأول للمسيح (متى 12: 28–29؛ لوقا 10: 18؛ يوحنا 12: 31).
- إن تقييده يعني تقييد نشاط معيّن واحد: «كَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ» (رؤيا 20: 3).
- وعمليًا، يعني ذلك:
- أنه لم يعد قادرًا أن يمنع الانتشار العالمي للإنجيل.
- ما زال يجرّب المؤمنين ويقاومهم، لكنّه لا يستطيع أن يوقف الكرازة العالمية.
2.3 القيامتان في رؤيا 20
يتحدّث الأصحاح العشرون من سفر الرؤيا عن «القيامة الأولى» وعن «سائر الأموات» الذين يحيون فيما بعد (رؤيا 20: 4–6).
التفسير الأميلي:
- القيامة الأولى (20: 4–5أ):
- ليست جسدية بل روحية.
- أبرز الآراء:
- التجديد (الولادة الجديدة) عند أوغسطينوس.
- دخول نفس المؤمن إلى السماء عند الموت (هوكما، هندريكسن).
- القيامة الثانية (20: 5ب، 11–15):
- هي قيامة جسدية عامة واحدة للأبرار والأشرار معًا في اليوم الأخير (راجع دانيال 12: 2؛ يوحنا 5: 28–29؛ أعمال 24: 15).
وعليه، فهناك قيامة جسدية واحدة فقط، لا اثنتان يفصل بينهما ألف سنة.
2.4 منهج التفسير: الرمزية والتوازي (الاسترجاع)
هناك التزامان تفسيريان أساسيان في اللاهوت الأميلي:
-
التفسير الرمزي / الروحي للنبوّة
- كثير من نبوات الملكوت في العهد القديم تتحقّق روحيًا في الكنيسة، لا حرفيًا في إسرائيل القومية.
- الأعداد (بما فيها “الألف”) في سفر الرؤيا تُفهَم في الغالب على أنها تصويرية / رمزية.
-
التوازي التقدّمي (الاسترجاع) في سفر الرؤيا
- يُنظَر إلى السفر على أنه يتكوّن من أقسام متوازية، لا تسلسل زمني مستمر.
- لا يُعتبَر الأصحاح 20 تابعًا للأصحاح 19 زمنيًا، بل يُرى أنه يعود بالزمن إلى المجيء الأول ويعيد وصف عصر الكنيسة من زاوية أخرى.
هذا المنهج يسمح للأميليين بوضع تقييد الشيطان وملك القدّيسين قبل، لا بعد، المجيء الثاني الوارد في رؤيا 19.
2.5 إسرائيل والكنيسة
يعلّم اللاهوت الأميلي عادة صورة من لاهوت الإحلال / لاهوت الإتمام:
- إسرائيل والكنيسة هما شعب واحد لله تحت عهد واحد للنعمة.
- الوعود الخاصة بالأرض والعرش والملك المعطاة لإسرائيل:
- إما مشروطة وقد فُقِدت بسبب العصيان، أو قد تحقّقت تاريخيًا، أو
- تُفهم روحيًا وتتحقّق في الكنيسة (مثل وعود العهد الإبراهيمي والعهد الداودي).
- تُوصَف الكنيسة غالبًا بأنها «إسرائيل الله» (غلاطية 6: 16) أو «إسرائيل الجديدة».
3. التقييم الكتابي: تقييد الشيطان
3.1 هل الشيطان مقيَّد الآن بحسب معنى رؤيا 20؟
يصف سفر الرؤيا سجن الشيطان بأقوى العبارات:
«وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ، وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ وَخَتَمَ عَلَيْهِ، لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ…»
— رؤيا 20: 3
عناصر النص:
- أُمسِكَ.
- قُيِّد.
- طُرِح في الهاوية.
- أُغْلِق وخُتِم عليه.
هذه اللغة توحي بـسجن كامل وشامل، لا تقييدًا جزئيًا.
في المقابل، يعرض العهد الجديد صورة دائمة عن نشاط الشيطان في الخداع خلال عصر الكنيسة:
- «إِلَهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ» (2 كورنثوس 4: 4).
- «خِصْمُكُمُ إِبْلِيسُ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ» (1 بطرس 5: 8).
- «الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ» (رؤيا 12: 9).
- يحذّر بولس من مكايده (أفسس 6: 11)، ومن منعه خدام الإنجيل (1 تسالونيكي 2: 18)، ومن نشاطه في «إِنْسَانِ الإِثْمِ» (2 تسالونيكي 2: 9–10).
لو كان معنى رؤيا 20 أن الشيطان مقيّدًا جزئيًا فقط بينما يواصل تضليل الأمم، لكانت صورة الهاوية المختومة والتصريح الواضح «كَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ» مبالَغًا فيها بلا مبرّر.
3.2 إشكالية "إضلال الأمم"
يضيّق الأميليون عبارة «إضلال الأمم» لتشير إلى منع الإرسالية العالمية فقط. لكن الكتاب المقدس يبيّن أن الشيطان:
- يخدع الأفراد والأمم على السواء أثناء عصر الكنيسة.
- يثير إمبراطوريات وحشية (رؤيا 13).
- يمارس سلطانًا فعليًا بوصفه «رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ» (يوحنا 12: 31؛ 14: 30).
إن كان الشيطان قد قُيِّد بالفعل بالمعنى المقصود في رؤيا 20، فما الذي سيتبقّى ليُنجَز من تقييد مستقبلي له؟ إن الوصف في رؤيا 20: 1–3 ينسجم بدرجة أكبر مع تقييد حاسم مستقبلي أكثر منه مع نشاطه الواضح حاليًا في العالم.
4. التقييم الكتابي: "القيامة الأولى"
4.1 نص رؤيا 20: 4–6
«فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ.
هذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى.»
— رؤيا 20: 4–5
ملاحظات أساسية:
- الفعل «عَاشُوا» يُستَخدَم:
- عن الشهداء الذين يملكون مع المسيح (ع 4).
- وعن «بَقِيَّةِ الأَمْوَاتِ» في نهاية الألف سنة (ع 5).
- يصرّح يوحنا بأن هذا الحدث الأول هو «القيامة الأولى» (ع 5).
4.2 ثبات معنى كلمة "قيامة"
اسم «قِيَامَة» (ἀνάστασις) يَرِد 42 مرة في العهد الجديد. ومع استثناء موضع واحد محلّ نقاش (هنا، إن صحّ الفهم الأميلي)، فإن الكلمة تعني دومًا القيامة الجسدية.
القول بأن «القيامة» في رؤيا 20 يقصد بها:
- «الولادة الروحية»، أو
- «انتقال النفس إلى السماء»،
بينما تكون القيامة الثانية جسدية، يخلق تناقضًا لغويًا حادًا. وكما قال هنري ألفورد: إذا جُعِلَت “القيامة الأولى” روحية والثانية حرفية، «فقدنا دلالة اللغة» ذاتها.
وفوق ذلك، فإن السياق يدعم بقوّة معنى القيامة الجسدية:
- الشهداء «قُطِعَتْ رُؤُوسُهُمْ» (موت جسدي)، ثم «عَاشُوا» (قيامة جسدية).
- قيامتهم تأتي استجابةً متأخّرة لوعد التعويض الجسدي (رؤيا 2: 10–11؛ 6: 9–11).
4.3 علاقتها بنصوص القيامة العامة
يستشهد الأميليون بنصوص مثل يوحنا 5: 28–29 ودانيال 12: 2 لإثبات وجود قيامة عامة واحدة. لكن هذه النصوص تذكر أن الفئتين ستقومان، لا متى أو كم الفاصل الزمني بينهما.
- يوحنا 5: 28–29 يتحدّث عن «سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ… وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ…».
- وكلمة «سَاعَةٌ» يمكن أن تدل على فترة زمنية، لا ستين دقيقة حرفيًا؛ ولا تحسم ما إذا كانت القيامتان متزامنتين أم تفصل بينهما فترة.
- يقدّم سفر الرؤيا 20 التفصيل الزمني الذي تغفله النصوص الأخرى: قيامتان، تفصل بينهما ألف سنة.
يحافظ اللاهوت الأميلي على وحدة الدينونة النهائية، لكنه يفعل ذلك بثمن تسطيح الفروق التي يشدّد عليها رؤيا 20.
5. التقييم الكتابي: إسرائيل، والكنيسة، والملكوت
5.1 العهد الإبراهيمي والعهد الداودي
غالبًا ما يرى اللاهوت الأميلي أن هذين العهدين:
- كانا مشروطين، ومن ثم فَقَدَهما إسرائيل بسبب العِصيان، أو
- قد روحنًا وتمّ إتمامهما في الكنيسة.
لكن الكتاب يصفهما مرارًا بأنهما أبديان وغير مشروطين:
- العهد الإبراهيمي:
- «وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ… عَهْدًا أَبَدِيًّا…
وَأُعْطِيكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ، مِلْكًا أَبَدِيًّا» (تكوين 17: 7–8). - ثُبِّت العهد في تكوين 15 بقَسَم أحادي الجانب، إذ مرّ الله وحده بين القطع.
- «وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ… عَهْدًا أَبَدِيًّا…
- العهد الداودي:
- «بَيْتُكَ وَمَمْلَكَتُكَ يَكُونَانِ ثَابِتَيْنِ إِلَى الأَبَدِ أَمَامَكَ. كُرْسِيُّكَ يَكُونُ ثَابِتًا إِلَى الأَبَدِ» (2 صموئيل 7: 16).
- وأعيد تأكيده بلغة قوية في مزمور 89: 28–37 حيث يعلن الرب أنه لن «يَنْقُضَ عَهْدَهُ» ولن «يُغَيِّرَ مَا خَرَجَ مِنْ شَفَتَيْهِ»، وأن نسل داود وعرشه يدومان «مَا دَامَتِ الشَّمْسُ».
ويطبّق العهد الجديد وعد العهد الداودي مباشرةً على يسوع:
«هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ،
وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمَلَكُوتِهِ نِهَايَةٌ.»
— لوقا 1: 32–33
صحيح أن المسيح يملك الآن من السماء، لكن لوقا 1 وأعمال 1: 6–7 يَتركان التوقّع اليهودي قائمًا بشأن استرداد المملكة لإسرائيل في المستقبل، دون أي تصحيح يقول إن الوعود نُقلَت إلى الكنيسة أو تحوّلت كليًا إلى بعدٍ “سماوي”.
5.2 نصوص الملكوت في العهد القديم والحاجة إلى ملك أرضي وسيط
يضطر اللاهوت الأميلي إلى إدخال كل نبوات الملكوت المتبقية في إطار:
- عصر الكنيسة الحاضر، أو
- الحالة الأبدية النهائية (السماوات الجديدة والأرض الجديدة).
لكن بعض النصوص ترفض كلا الاحتمالين بطبيعتها، وتشير بصورة طبيعية إلى ملكٍ أرضيٍّ وسيط يسبق الحالة الأبدية.
إشعياء 65: 20–25
يصف النص:
- طول عمرٍ كبير: «لاَ يَكُونُ بَعْدُ مِنْ هُنَاكَ طِفْلُ أَيَّامٍ وَلاَ شَيْخٌ لَمْ يَكْمُلْ أَيَّامَهُ، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَالْخَاطِئُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ يُلْعَنُ» (ع 20).
- وجود الخطيّة واللعنة: الخاطئ الذي يموت ابن مئة سنة «يُلعَن».
- سلامًا عالميًا وتحولاً في عالم الحيوان (ع 25).
هذه الأوضاع:
- هي أفضل بكثير من الحالة الراهنة: فالموت نادر ومتأخّر.
- لكنها لا تنطبق على الحالة الأبدية حيث «لاَ يَكُونُ مَوْتٌ فِي مَا بَعْدُ» ولا «لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ» (رؤيا 21: 4؛ 22: 3).
إذًا هي تتطلّب أرضًا مستقبلية محسَّنة لكنها غير كاملة بعد، وهو بالضبط ما يقدّمه لنا سفر الرؤيا 20 في صورة الألفية.
زكريا 14: 16–19
- بعد عودة الرب المجيدة ونصره (زكريا 14: 1–5) تبقى أمم حيّة، وتصعد سنويًا إلى أورشليم لتسجد.
- الذين يرفضون الصعود تصيبهم لعنة الجَدْب والوباء.
مرة أخرى:
- هذا المشهد بعد المجيء الثاني، لكنه يتضمّن أممًا عاصية وأحكامًا زمنية – وهذه أمور لا تنسجم مع الحالة الأبدية، لكنها تنسجم تمامًا مع ملكٍ ألفيٍّ على الأرض.
5.3 التمييز بين إسرائيل والكنيسة
يحافظ العهد الجديد مرارًا على تمييز بين إسرائيل القومية والكنيسة (التي يغلب عليها الأمميون):
-
رومية 11 تتوقع خلاصًا مستقبليًا لـ«جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ» بعد «دُخُولِ مِلْءِ الأُمَمِ» (ع 25–26)، لا ذوبانهم في الكنيسة دون هوية قومية.
-
يذكر أعمال 1: 6–7 سؤال التلاميذ:
«يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟»
لا يصحّح يسوع توقّعهم لـاستردادٍ مستقبلي للملك، بل يصحّح فقط فضولهم بشأن التوقيت.
-
في 1 كورنثوس 10: 32 يميّز بولس بين اليهود واليونانيين وكنيسة الله.
يؤكّد نموذج “شعب واحد لله” عند الأميليين وحدةً خلاصية جوهرية (فالخلاص بالنعمة في المسيح واحد)، لكنه يَدمِج قبل الأوان تمييزات تاريخ الخلاص التي يحتفظ بها الكتاب للمستقبل أيضًا في إطار الملكوت.
6. رؤيا 19–20: تسلسل زمني أم توازي (استرجاع)؟
يرى الأميليون أن رؤيا 20 ليست متسلسلة زمنيًا بعد رؤيا 19، بل هي مقطع موازٍ يصف عصر الكنيسة نفسه.
غير أن:
- يوحنا يستخدم مرارًا عبارة «ثُمَّ رَأَيْتُ…» (καὶ εἶδον) في رؤيا 19: 11، 17، 19؛ 20: 1، 4، 11؛ 21: 1 كعلامة على تتابع سردي.
- تُفهَم معظم المشاهد من 19: 11–21: 8 بالإجماع تقريبًا على أنها مستقبلية وبعد المجيء الثاني:
- مجيء المسيح المنظور في المجد (19: 11–16).
- المعركة الأخيرة وهلاك الوحش والنبي الكذاب (19: 19–21).
- الدينونة العظمى أمام العرش الأبيض (20: 11–15).
- السماوات الجديدة والأرض الجديدة (21: 1–8).
إن استثناء 20: 1–6 وحده بوصفه فلاش باك بدون أي إشارة لفظية في النص يُعدّ منهجيًا غير ثابت. القراءة الطبيعية هي:
- المجيء الثاني وهزيمة الأعداء الأرضيين (رؤيا 19).
- تقييد الشيطان والملك الألفي (رؤيا 20: 1–6).
- التمرّد الأخير وهلاك الشيطان (رؤيا 20: 7–10).
- دينونة العرش الأبيض العظمى للأشرار غير المؤمنين (رؤيا 20: 11–15).
- الحالة الأبدية (رؤيا 21–22).
تظهر الألفية إذًا كأحد النتائج المباشرة للمجيء الثاني، لا كتعبير رمزي عن عصر الكنيسة الحاضر.
7. الخاتمة
يقدّم اللاهوت الأميلي رؤيةً منسجمة ومؤثرة تاريخيًا لعلم أخرويات الكتاب المقدّس. وهو يركّز عن حق على:
- ملك المسيح الحالي عن يمين الآب.
- بُنية الملكوت في إطار “حاضر – وغير مكتمل بعد”.
- وحدة شعب الله في المسيح.
لكن عندما تُقرأ النصوص المفتاحية وفق معانيها وسياقاتها، تظهر مشكلات جوهرية:
- تقييد الشيطان في رؤيا 20 لا يطابق نشاطه الواضح في عصر الكنيسة.
- لغة «القيامة الأولى» ترجّح بقوة قيامة جسدية مميّزة عن قيامة الأشرار بعد ألف سنة.
- نصوص نبوية مثل إشعياء 65 وزكريا 14 لا تنطبق على عصر الكنيسة الحالي ولا على الحالة الأبدية، لكنها تنسجم مع ملكٍ أرضيٍّ وسيط.
- العهدان الإبراهيمي والداودي مؤطَّران كعهدين أبديين غير مشروطين، مؤسَّسين على قسم الله ذاته، ويشيران بصورة طبيعية إلى إتمام مستقبلي أرضي مرتبط بإسرائيل والأمم.
- تسلسل رؤيا 19–20 من الناحية الأدبية واللاهوتية يضع الألفية بعد المجيء الثاني، لا كرمز موازٍ لعصر الكنيسة.
لذلك، تميل الشواهد الكتابية إلى اعتبار عصر الكنيسة مقدّمة لملكوت الألفية الموعود، لا جوهره. فالكنيسة تعيش الآن باكورات روحية من الملكوت، أما الملك الألفي الأرضي الداودي الكامل للمسيح على إسرائيل والأمم فما زال مستقبلًا.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س: ما هو اللاهوت الأميلي (الأميلينيالية) ببساطة؟
ج: يعلّم اللاهوت الأميلي أنه لن يكون هناك حكم أرضي مستقبلي حرفي لألف سنة للمسيح بين مجيئه الثاني والحالة الأبدية. إذ يُفهَم “الألف سنة” في رؤيا 20 على أنها عصر الكنيسة الحاضر، حيث يملك المسيح روحيًا من السماء، وحيث الشيطان مقيَّد جزئيًا بحيث يمكن للإنجيل أن ينتشر بين الأمم.
س: هل ينكر الأميليون المجيء الثاني الحرفي والدينونة النهائية؟
ج: كلا. يؤكّد الأميليون بقوة مجيئًا ثانيًا حرفيًا منظورًا للمسيح، وقيامة جسدية عامة واحدة لجميع الناس، ودينونة نهائية، تليها السماوات الجديدة والأرض الجديدة. خلافهم مع اللاهوت الألفي السابق للضيقة (وغيره من الأشكال الألفية) يتمحور حول ما يحدث قبل ذلك الحدث، لا حول ما إذا كان المسيح سيعود حقًا.
س: لماذا ينتقد كثير من الإنجيليين اللاهوت الأميلي؟
ج: يرى المنتقدون أن اللاهوت الأميلي يرمّز نصوصًا نبوية رئيسية ويُسطّح فروقًا كتابية مهمّة. ويؤكّدون أن رؤيا 20، وإشعياء 65، وزكريا 14، والعهود غير المشروطة مع إبراهيم وداود تشير إلى ملكٍ ألفيٍّ أرضي مستقبلي متميّز عن عصر الكنيسة والحالة الأبدية على السواء.
س: كيف ينظر اللاهوت الأميلي إلى إسرائيل والكنيسة؟
ج: عمومًا يرى اللاهوت الأميلي أن إسرائيل والكنيسة هما شعب واحد لله، لذا تُفسَّر الوعود المعطاة لإسرائيل في الغالب بأنها متحققة روحيًا في الكنيسة. ويردّ الألفيون (المؤمنون بالألفية المستقبلية) بأن العهد الجديد يحتفظ بدور مستقبلي لإسرائيل القومية، وأن الوعود القومية بالأرض والعرش لا ينبغي اختزالها في بركات روحية فقط.
س: هل "الألف سنة" في رؤيا 20 حرفية؟
ج: يفسّر الأميليون “الألف سنة” على أنها رمز لـفترة طويلة كاملة، وهي المدة بين المجيء الأول والثاني للمسيح. بينما يشير الألفيون إلى أن الأعداد في سفر الرؤيا تُستعمَل كثيرًا بمعناها الحرفي، ويؤكدون أن التكرار ست مرات لعبارة «أَلْفَ سَنَةٍ» في رؤيا 20 ينبغي أن يُفهَم على أنه فترة محدَّدة حقيقية يملك فيها المسيح على الأرض بعد مجيئه الثاني.
L. A. C.
لاهوتي متخصص في الأخرويات، ملتزم بمساعدة المؤمنين على فهم كلمة الله النبوية.
مقالات ذات صلة
فحص ما بعد الألفية: هل ستُنصِّر الكنيسة العالم؟
ما بعد الألفية في ضوء الكتاب المقدس: هل تستطيع الكنيسة أن تُنصِّر العالم وتُخضِعه للمسيح قبل المجيء الثاني للمسيح وبداية الألفية؟
ما هو عرس الحمل؟
عرس الحمل يكشف اتحاد المسيح بكنيسته كما في رؤيا 19. اكتشف معناه، توقيته، وعلاقته بالاختطاف والضيقة العظيمة والمجيء الثاني وخطة الله الأزلية.
مقارنة الآراء حول الألفية: أيُّها الكتابي؟
الآراء الألفية في علم الأخرويات: السابق للألفية، اللا أَلفي، واللاحق للألفية. دراسة نصوص كتابية لتحديد أي رأي هو الأقرب للكتاب المقدس.
ما هي الألفية؟ الملك الألفي وحكم المسيح لألف سنة
الألفية: شرح حكم المسيح لألف سنة كما في رؤيا 20، طبيعته ومدّته وأهميته النبوية في خطة الله لملكوته الآتي بعد الضيقة العظيمة والمجيء الثاني.