التفسير الحرفي أم المجازي: الطريقة الصحيحة لقراءة نبوّات الكتاب المقدّس
1. المقدّمة
طريقة تفسيرنا لنبوّات الكتاب المقدّس — حرفيًّا أم رمزيًّا/استعاريًّا — تشكّل رؤيتنا الكاملة للأحداث الأخيرة. هل "الألف سنة" في رؤيا 20 هي ملكوت مستقبلي حقيقي، أم مجرّد رمز للعصر الحاضر؟ هل وعود الأرض لإسرائيل في تكوين 15 و17 هي جغرافيا مستقبلة حرفيّة، أم مجرّد استعارات روحيّة عن الكنيسة؟
القضيّة الأساسيّة ليست مجرّد الفضول بشأن المستقبل، بل علم التفسير (الهرمنيوطيقا) — أي المنهج الذي نستخدمه في تفسير الكتاب. هذا المقال يشرح الفرق بين التفسير الحرفي والتفسير الرمزي/الاستعاري للنبوّة الكتابيّة، ويدافع عن المنهج الحرفي‑القواعدي‑التاريخي، ويُوضّح متى يجب فهم النصوص النبويّة بصورة مجازيّة من دون التخلّي عن الحقيقة الحرفيّة.
2. ما هو التفسير الحرفي لنبوّات الكتاب المقدّس؟
2.1 التعريف: الحرفي = المعنى العادي الواضح
في علم التفسير، تعبير حرفي يقابل مصطلح sensus literalis أي المعنى العادي الواضح للنص. التفسير الحرفي للنبوّات يعني:
تفسير الكلمات النبويّة بالطريقة نفسها التي نفسّر بها أي خطاب جاد عادي — وفقًا لقواعد اللغة المعتادة، والمفردات، والسياق التاريخي.
إذا قال شخص: "رأيت ثلاثة كلاب بنية في الزقاق"، فنحن لا نبحث عن شيفرة خفيّة؛ بل نفهم: ثلاثة (لا خمسة) كلاب (لا قطط) بنية (لا سوداء) في الزقاق (لا في الحديقة). التفسير الحرفي يتعامل مع النبوّة بنفس الافتراض الأساسي.
2.2 المنهج القواعدي–التاريخي–السياقي
يُسمّى التفسير الحرفي للنبوّة غالبًا المنهج القواعدي‑التاريخي:
- قواعدي (نحوي) – تُفهَم الكلمات والجمل بحسب قواعد اللغة العاديّة: تركيب الجملة، الأزمنة، الأسماء، حروف الجرّ، إلخ.
- تاريخي – يُقرَأ النصّ في إطاره التاريخي والثقافي الأصلي؛ نسأل: ماذا عنى النصّ للكاتب الأصلي والقرّاء الأوائل؟
- سياقي – تُفسَّر الآيات في سياقها المباشر، وفي سياق السفر كلّه، وفي سياق الكتاب المقدّس بأكمله.
الهدف هو اكتشاف المعنى المقصود من المؤلّف، لا فرض أفكار روحيّة أو رمزيّة من عندنا على النص.
2.3 التفسير الحرفي لا يرفض المجاز والرموز والرموز النمطيّة
الحرفي لا يعني "جامدًا" أو "حرفيًّا مفرِطًا". بل يعني أنّ:
- أساليب البيان تُدرَك كما هي (كالتشبيه، الاستعارة، الكناية).
- الرموز تُعتَرَف بها، لكن دائمًا كرموز لأمور حقيقيّة وواقعيّة.
- الرموز النمطيّة (مثل الذبائح التي ترمز للمسيح) تُفهم باعتبارها أشخاصًا وأحداثًا ومؤسّسات حقيقيّة تُشير إلى تحقيقات حرفيّة مستقبلة.
أمثلة:
- قول الرب: "أَنَا الْبَابُ" (يوحنّا 10: 9) هو تعبير مجازي واضح؛ فالمسيح ليس بابًا خشبيًّا، لكن هناك حقيقة حرفيّة: هو الطريق الوحيد للدخول إلى الخلاص.
- الله ليس حرفيًّا "صخرًا" (مزمور 18: 2)، لكنّه في الواقع ثابت وراسخ ومُطمئِن كالصخرة.
- في سفر الرؤيا، "السُّرُج السَّبْعَة" رمزيّة، لكن السفر نفسه يفسّرها حرفيًّا بأنها سبع كنائس (رؤيا 1: 20).
المنهج الحرفي يسأل: إلى أي واقعٍ حقيقي يشير هذا المجاز أو الرمز؟ لا ينكر وجود الرموز، بل يؤكّد أنّها تدلّ على أمور حقيقيّة.
2.4 معنى واحد وتطبيقات متعدّدة
التفسير الحرفي يؤكّد أيضًا:
- معنى واحد أساس (sensus unum): لكل نصّ نبوي معنى رئيس واحد — هو المعنى الذي قصده الله من خلال الكاتب البشري.
- آثار وتطبيقات متعدّدة: يمكن أن يكون للنبوّة تطبيقات شرعيّة متعدّدة وامتدادات واسعة، لكنّها جميعًا تنبع من ذلك المعنى الأصلي الواحد.
هذا يحمينا من فكرة أنّ للنصوص معاني "أعمق" لا نهائيّة أو متناقضة (المعنى الأوفى – sensus plenior حين يُستعمَل لتبرير معانٍ متعدّدة متضاربة).
3. ما هو التفسير الرمزي/الاستعاري لنبوّات الكتاب المقدّس؟
3.1 التعريف: التفسير الرمزي / الروحي
التفسير الرمزي أو الاستعاري (يُسمّى كثيرًا "التروح" أو "الترويج الروحي") يعامل المعنى الحرفي للنبوّة على أنّه ثانوي أو حتّى قابل للإلغاء، ويبحث بدلًا من ذلك عن معنى خفي، أعمق، "روحي".
في هذا المنهج:
- قد تُعتبَر إسرائيل رمزًا للكنيسة.
- وعود الأرض قد تُعاد صياغتها كرموز للسموات أو "البركات الروحيّة".
- الألفيّة قد تُختَزَل إلى رمز لعصر الكنيسة الحاضر.
- التفاصيل النبويّة الملموسة كثيرًا ما تُمتَصّ في أفكار عامّة مثل "انتصار الخير على الشرّ".
فيصبح النصّ قشرة خارجيّة، ويُقال إن "المعنى الحقيقي" يكمن تحت الكلمات أو خلفها.
3.2 لماذا التفسير الرمزي إشكالي؟
من منظور كتابي ومنطقي، هذا المنهج يحمل مشكلات عميقة:
-
غياب الضوابط الموضوعيّة
لا توجد قواعد واضحة لاكتشاف "المعنى الأعمق". كل تفسير رمزي يمكن أن يُعتبَر مساويًا لغيره في الصلاح. فيتحوّل التفسير إلى إسقاط خيال المفسّر الشخصي على النص. -
منهج يهدم نفسه
القول: "النبوّات لا تعني ما يبدو ظاهرًا؛ بل لها معنى روحي أعمق" هو نفسه ادّعاء حرفي حول كيفيّة قراءة النبوّة. المفسّر الرمزي يتوقّع من الآخرين أن يأخذوا نظريّته عن التفسير على محمل الجد حرفيًّا، بينما هو ينكر المعنى الحرفي للنص الكتابي ذاته. -
مخالف لنهج الكتاب نفسه
روايات العهد القديم — آدم، نوح، إبراهيم، يونان — تعامل معها كتّاب العهد الجديد كأحداث حرفيّة (رومية 5: 12–14؛ متّى 12: 39–41). الكتاب المقدّس لا يروحن النصوص التاريخيّة أو النبويّة، إلا في حالات نادرة يُصرَّح فيها بوضوح أنّها أمثلة تمثيليّة أو أمثال (غلاطية 4: 24). -
استخدام غير متّسق
كثيرون ممّن يروحنون النبوّة يفسّرون عقائد أخرى (الخطيّة، التبرير، قيامة المسيح) تفسيرًا حرفيًّا. التحوّل إلى منهج رمزي فقط في النبوّة يكشف تحيّزًا لاهوتيًّا، لا اجتهادًا تفسيريًّا سليمًا.
4. لماذا التفسير الحرفي هو الطريقة الصحيحة لتفسير نبوّات الكتاب المقدّس؟
4.1 نبوّات المجيء الأوّل للمسيح تمّت حرفيًّا
أقوى برهان كتابي لصالح التفسير الحرفي للنبوّة هو أسلوب تحقيق الله لها في الماضي. أكثر من مئة نبوّة مسيانيّة تحقّقت حرفيًّا في المجيء الأوّل للمسيح:
- "نسل المرأة" – تكوين 3: 15
- "نسل إبراهيم" – تكوين 12: 3
- من "سبط يهوذا" – تكوين 49: 10
- "غصنٌ بارّ" من نسل داود – إرميا 23: 5–6
- "العذراء تحبل وتلد ابنًا" – إشعياء 7: 14
- مولود في بيت لحم – ميخا 5: 2
- يسبقه مُهيّئ طريق – إشعياء 40: 3
- "ينظرون إليّ، الذي طعنوه" – زكريا 12: 10
- "يُقطَع المسيح" في زمن محدّد – دانيال 9: 24–26
- لا يرى القدّوس فسادًا – مزمور 16: 10؛ أعمال 2: 30–32
بما أنّ الله حقّق نبوّات المجيء الأوّل بطريقة مباشرة وحرفيّة، فإن الاستمراريّة المنطقيّة تقتضي أن نتوقّع الأسلوب نفسه في نبوّات المجيء الثاني، ما لم يُشِر النصّ بوضوح إلى كونه رمزيًّا.
إذا أردت أن تفهم كيف سيحقّق الله النبوّة في المستقبل، فانظر كيف حقّقها في الماضي.
4.2 استخدام يسوع نفسه للنبوّة
في لوقا 4: 16–21 قرأ يسوع من إشعياء 61: 1–2:
«رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ... لِأُنَادِيَ بِسَنَةٍ لِلرَّبِّ مَقْبُولَةٍ.»
— لوقا 4: 18–19 (اقتباسًا من إشعياء)
ثم قال:
«إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ.»
— لوقا 4: 21
طبّق يسوع الجزء الأوّل من نبوّة إشعياء حرفيًّا على مجيئه الأوّل، لكنّه توقّف في منتصف الآية قبل عبارة "وَيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا" (إشعياء 61: 2). هذا الجزء الأخير ينتظر تحقيقًا حرفيًّا في مجيئه الثاني.
هذا يبيّن أنّ:
- المسيح فسّر النبوّة تفسيرًا دقيقًا حرفيًّا.
- يمكن أن تحتوي الآية الواحدة على تحقيقين منفصلين (للمجيء الأوّل والثاني) دون تغيير لمعناها.
- "الانتقام" لا يُروحن أو يُلغى، بل لم يتحقّق بعد.
4.3 رموز سفر الرؤيا تشير إلى حقائق حرفيّة
سفر الرؤيا مليء بالرموز، لكنّه مرارًا يفسّر رموزه تفسيرًا حرفيًّا:
- "السَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ" = "سَبْعَةُ مَلائِكَة" – رؤيا 1: 20
- "السُّرُج السَّبْعَة" = "السَّبْعُ الْكَنَائِس" – رؤيا 1: 20
- "قَصَعَاتٌ مَنْ ذَهَب مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا" = "صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ" – رؤيا 5: 8
- "الْمِيَاهُ الْكَثِيرَةُ" = "شُعُوبٌ وَجُمُوعٌ وَأُمَمٌ وَأَلْسِنَةٌ" – رؤيا 17: 15
الرمزيّة تتعايش مع التفسير الحرفي، ولا تُلغيه.
4.4 أسباب تفضيل التفسير الحرفي للنبوّة
تلخيصًا لأهمّ الأسباب:
- إنّه الطريقة الطبيعيّة التي نفهم بها كلّ خطاب جاد.
- غالبية الكتاب المقدّس تُفهَم بشكل سليم حين تُقرأ قراءة حرفيّة.
- كل الاستخدامات المجازيّة أو الاستعاريّة تفترض فهم المعنى الحرفي أوّلًا.
- هو الضابط العاقل والآمن أمام خيال المفسّر.
- هو الأنسب لمفهوم الوحي اللفظي: فالله أوحى كلمات محدّدة، لا أفكارًا ضبابيّة.
- ينسجم مع الطريقة التي بها يفسّر الكتاب أجزاءه الأخرى.
5. متى تستخدم النبوّة لغة مجازيّة أو رمزيّة؟
المنهج الحرفي‑القواعدي‑التاريخي يعترف تمامًا بأن النبوّة كثيرًا ما تستخدم الصور الحيّة، والشعر، والرموز. السؤال المحوري ليس "حرفي أم مجازي؟" بل:
هل المقصود من هذا المجاز أن يستبدِل الواقع الحرفي أم أن يعبّر عنه بقوّة أكبر؟
5.1 إرشادات للتعرّف إلى اللغة المجازيّة
التفسير الحرفي يتعامل مع النصّ كمجازي حين:
-
يكون المجاز واضحًا بذاته
- يسوع يقول: «أَنَا الْبَابُ» (يوحنّا 10: 9) أو «أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ» (يوحنّا 15: 1).
لا أحد يظنّه خشبًا أو نباتًا؛ المجاز ينقل حقيقة روحيّة واقعيّة عن الاتّحاد به والاعتماد عليه.
- يسوع يقول: «أَنَا الْبَابُ» (يوحنّا 10: 9) أو «أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ» (يوحنّا 15: 1).
-
يصرّح النصّ نفسه بأنّه مجازي
- بولس يذكر صراحة أنّه يستخدم مثالًا تمثيليًّا في غلاطية 4: 24.
- يسوع يقول: "هَذَا هُوَ الْمَثَلُ" ثم يشرح الرموز (لوقا 8: 11–15).
-
يؤدّي الفهم الحرفي الصارم إلى تناقض مع نصوص غير مجازيّة واضحة
- تعبير "أَرْبَعُ زَوَايَا الأَرْضِ" (رؤيا 7: 1) لا ينفي كرويّة الأرض، بل هو اصطلاح يُستَخدَم للدلالة على العالم كلّه.
ويُعبَّر عن ذلك بمقولة معروفة:
"إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْحَرْفِيُّ مَعْقُولًا، فَلَا تَطْلُبْ مَعْنًى آخَرَ لِئَلَّا يَنْتُجَ عَنْهُ لا مَعْنًى."
5.2 الأمثال والرموز التمثيليّة تنقل حقائق حرفيّة
- الأمثال (مثل مَثَل الكَرَّامِينَ الأَشْرَار – لوقا 20: 9–18) تستخدم قصصًا تصويريّة لتوصيل حقائق حرفيّة عن رفض إسرائيل للمسيح ودينونته القادمة.
- الرموز التمثيليّة القليلة في الكتاب (غلاطية 4: 21–31) مُعلَنٌ بوضوح أنّها كذلك، ومع ذلك فهي متجذّرة في أشخاص تاريخيّين حقيقيّين (سارة وهاجر).
لا ينبغي أن نفترض أنّ استخدام الصور أو الأسلوب القصصي يعني أنّ النبوّة "روحيّة محضة" بلا تحقيقات واقعيّة. من دون أن نعرف ما هو حرفيًّا وواقعيًّا، لا يمكننا أن نحدّد ما هو مجازي في التعبير عنه.
5.3 مقارنة بين المنهج الحرفي والمنهج الرمزي
| الخاصّيّة | المنهج الحرفي‑القواعدي‑التاريخي | المنهج الرمزي / الترويج الروحي |
|---|---|---|
| السؤال الأساسي | ماذا قصد الكاتب في سياقه؟ | أي فكرة روحيّة أعمق يمكنني استخراجها من هنا؟ |
| التعامل مع اللغة | وفق قواعد النحو والتاريخ العاديّة | كثيرًا ما تُعامَل الكلمات كرموز تتجاوز قواعد اللغة |
| استخدام الرموز | الرموز تشير إلى وقائع ملموسة | الرموز قد تُفرَّغ من مدلولها الواقعي |
| عدد المعاني | معنى أساس واحد، وتطبيقات عديدة | غالبًا معانٍ متعدّدة وطبقات "أعمق" متنوّعة |
| مستوى الضبط والموضوعيّة | عالٍ — يستند إلى النص والسياق واللغة | منخفض — يعتمد كثيرًا على أفكار المفسّر الشخصيّة |
| تصوّر تحقيق النبوّة | توقّع تحقيق حرفي ما لم يبيّن النص خلاف ذلك | توقّع تحقيق "روحي/أعمق" بصورة غير حرفيّة غالبًا |
6. مبادئ عمليّة لتفسير نبوّات الكتاب اليوم
لتفسير نبوّات الكتاب تفسيرًا أمينًا، وتجنّب الحرفيّة الساذجة من جهة، والترويج الرمزي الذاتي من جهة أخرى، ينبغي أن تقودنا عدّة مبادئ عمليّة.
6.1 ابدأ بالمعنى الواضح
اقرأ المقاطع النبويّة كما تقرأ أي نثر جاد آخر. عندما يتكرّر في رؤيا 20: 2–6 التعبير عن "أَلْفِ سَنَةٍ"، فالمعنى الظاهر هو فترة زمنيّة محدّدة. لا يوجد في التركيب النحوي ما يُجبرنا على تحويلها إلى مجرّد رمز لـ"مدّة طويلة غير محدّدة".
إن كان المعنى الواضح ينسجم مع السياق ولا يناقض مواضع كتابيّة أخرى، فعلينا قبوله.
6.2 قارن النبوّة بالنبوّة
«عَالِمِينَ هَذَا أَوَّلًا: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ.»
— 2 بطرس 1: 20
لا توجد نبوّة واحدة تغطّي كل ما يجب أن يُقال في الموضوع. لتفسير مقطع تفسيرًا صحيحًا:
- قارن بين نبوّات العهد القديم والعهد الجديد حول الحدث أو الشخص نفسه (مثل ضدّ المسيح، "يوم الربّ"، الألفيّة).
- دع النبوّات الأوضح تُنير ما هو أصعب.
- لا تستخدم مقطعًا واحدًا لـإلغاء المعنى الحرفي لآخر (مثلًا: لا تجعل تطبيق العهد الجديد لنبوة ما على الكنيسة يلغي الوعود الأصليّة الموجّهة لإسرائيل).
6.3 ميّز "الفجوات الزمنيّة" في النبوّة
كثيرًا ما رأى أنبياء العهد القديم المستقبل كأنّه سلسلة قمم جبليّة في صفّ واحد — أحداث متباعدة زمنيًّا لكن تظهر متجاورة في آية واحدة:
- زكريا 9: 9–10 يجمع بين مجيء المسيح الأوّل وديعه راكبًا على جحش، وسلطانه الملكي على كل الأرض في مجيئه الثاني.
- إشعياء 61: 1–2 يربط "سَنَةً مَقْبُولَةً لِلرَّبِّ" (المجيء الأوّل) بـ"يَوْمَ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا" (المجيء الثاني)، وهو الفارق الزمني الذي كشفه يسوع نفسه في لوقا 4: 16–21 حين توقّف في منتصف الآية.
إدراك هذه الفواصل الزمنيّة يحمينا من محاولة حشر كل تحقيقات النبوّة في عصر واحد، ومن ثمّ اللجوء إلى الرمز حين لا نجد لها مكانًا في التاريخ الحالي.
6.4 فرّق بين التفسير والتطبيق
- التفسير يسأل: ماذا عنى النصّ للسامعين الأوائل؟
- التطبيق يسأل: كيف ينطبق المعنى نفسه علينا اليوم؟
مثلًا، إرميا 31: 31–34 يتحدّث عن عَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا. الكنيسة اليوم تشترك في بركات هذا العهد روحيًّا في المسيح، لكن هذا التطبيق لا يلغي الوعد الأصلي الموجّه لإسرائيل القوميّة، ولا يحوّله إلى مجرّد رمز عام.
7. الخاتمة
الجدل بين التفسير الحرفي والتفسير الرمزي/الاستعاري للنبوّات ليس مسألة جانبيّة تقنيّة؛ إنّه قضيّة جذريّة. فالمنهج الحرفي‑القواعدي‑التاريخي:
- يأخذ بجدّيّة أنّ الله مُتكلِّم ماهر يريد أن يُفهَم.
- يكرّم الكلمات التي أوحى بها الله، لا مجرّد أفكار ضبابيّة.
- يتبع النمط الكتابي في كيفيّة تحقيق النبوّات السابقة بالفعل.
- يوفّر إطارًا موضوعيًّا قائمًا على النص يضبط خيال الإنسان.
أمّا المناهج الرمزيّة أو الترويج الروحي، فتفصل النبوّة عن جذورها النصّيّة وتُسلّم معنى النص ليد المفسّر. وحين تصبح إسرائيل والملكوت والألفيّة والدينونة مجرّد "رموز"، يمكن لأي نظام لاهوتي أن يُفرَض عليها.
التفسير الحرفي لنبوّات الكتاب لا ينكر وجود المجاز أو الرموز أو العمق الروحي. بل يؤكّد أنّ لكل رمز مدلولًا حقيقيًّا، ولكل صورة حقيقة واقعيّة تقابلها، وأنّ كل نبوّة ستتحقّق تحديدًا وأمانة كما تحقّقت نبوّات المجيء الأوّل للمسيح.
لِمَن يسعى أن يفهم "عِنْدَنَا الْكَلِمَةَ النَّبَوِيَّةَ وَهِيَ أَثْبَتُ" (2 بطرس 1: 19)، فإن المنهج الحرفي‑القواعدي‑التاريخي ليس مجرّد خيار بين عدّة خيارات، بل هو الطريقة الصحيحة لتفسير نبوّات الكتاب المقدّس.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س: ماذا يعني عمليًّا "التفسير الحرفي لنبوّات الكتاب المقدّس"؟
المقصود هو قراءة النصوص النبويّة في ضوء معناها اللغوي القواعدي التاريخي العادي، كما نفعل مع أي كتابة جادّة. هذا المنهج لا يرفض المجاز والرموز، بل يشدّد على أنّها تشير دائمًا إلى حقائق واقعيّة ملموسة، لا إلى أفكار روحيّة حرّة المنحى بلا ضوابط.
س: هل التفسير الحرفي يتجاهل الرموز والصور الشعريّة؟
لا. التفسير الحرفي يعترف تمامًا بوجود الرموز واللغة الشعريّة والصور في النبوّة، وخصوصًا في أسفار مثل دانيال ورؤيا يوحنّا. المفتاح هو أنّ كل رمز يُفهَم على أنّه يمثّل شيئًا واقعيًّا حرفيًّا، وأنّ معناه يُستخرَج من النصّ وسياقه الكتابي، لا من خيال المفسّر.
س: لماذا يُعتَبَر التفسير الرمزي للنبوّة خطرًا؟
لأنّه غالبًا ما يفتقر إلى الضوابط الموضوعيّة، فيُفسَّر النصّ بحسب ما يريده المفسّر أن يقوله. هذا يضعف سلطان الكتاب المقدّس، ويهزّ الثقة بوعود الله المحدّدة (وخاصةً لإسرائيل)، ويبتعد عن الطريقة التي يستخدم بها الكتاب المقدّس نبوّاته السابقة ويفسّرها.
س: كيف أعرف متى ينبغي فهم النبوّة بصورة مجازيّة؟
اطرح ثلاثة أسئلة:
- هل اللغة مجازيّة بوضوح (مثل: «أَنَا الْبَابُ» – يوحنّا 10: 9)؟
- هل يصرّح النصّ أو موضع موازٍ بأنّها مَثَل أو رمز أو تشبيه؟
- هل يؤدّي الفهم الحرفي الصارم إلى تناقض مع تعليم كتابي واضح غير مجازي؟
إن لم يكن، فالأصل أن تُفهَم النبوّة في معناها الظاهر الواضح.
س: لماذا يهمّ أن نقرّر: حرفي أم رمزي في تفسير النبوّة؟
لأن منهج التفسير هو الذي يحدّد النتائج. المنهج الحرفي يقودنا إلى توقّع تحقيقات مستقبلة واقعيّة لوعود الله، بما في ذلك المجيء الثاني للمسيح وملكوته الألفي. أمّا المنهج الرمزي فيحوّل هذه التوقّعات غالبًا إلى مبادئ روحيّة عامّة، فيعيد تشكيل عقائدنا عن إسرائيل والكنيسة والدينونة والملكوت — وبالتالي يُعيد تشكيل رجائنا نفسه.
L. A. C.
لاهوتي متخصص في الأخرويات، ملتزم بمساعدة المؤمنين على فهم كلمة الله النبوية.
مقالات ذات صلة
المنهج التاريخي‑اللغوي: كيف نقرأ النبوة قراءة صحيحة
المنهج التاريخي اللغوي يوضح كيف نفسر النبوة الكتابية بدقة، بالاعتماد على السياق، وقواعد اللغة، وقصد الكاتب، للحصول على فهم وتطبيق صحيحين.
كيف نفسِّر نبوّات الكتاب المقدّس
تعلّم كيفيّة تفسير نبوّات الكتاب المقدّس بمنهجيّة لاهوتيّة رصينة، مع مبادئ عمليّة، وقواعد سياقيّة، وضوابط آمنة لقراءة النصوص النبويّة بعمق وصحّة.
أسابيع دانيال السبعون: فهم الجدول الزمني النبوي في الكتاب المقدس
أسابيع دانيال السبعون تكشف الجدول الزمني النبوي لله، من خطة الله لإسرائيل ومجيء المسيح الأول إلى الأسبوع السبعين المستقبلي ونهاية الأزمنة.
بابل العظيمة
بابل العظيمة في رؤيا يوحنا 17–18 تكشف rebellion دينيًا وتجاريًا في الأزمنة الأخيرة ضدّ الله، وسقوطها المفاجئ في دينونة نهائية بحسب النبوات.