دينونة الأمم (الخراف والجداء)
1. المقدّمة
إنَّ دينونة الأمم (الخراف والجداء) في متى 25: 31–46 تعدّ من أهمّ مشاهد الدينونة في أحداث الأزمنة الأخيرة كما يقدّمها العهد الجديد. فهي تصوِّر ابن الإنسان وهو يفرز الخراف عن الجداء – في صورة رمزية تعبّر عن الأمم البارّين والأشرار – على أساس الطريقة التي عاملوا بها «أصاغر إخوتي هؤلاء».
تُعتبَر هذه الفقرة أساسية في دراسات الإسكاتولوجيا الكتابية (علم أخرويات الكتاب المقدس)، لأنها:
- تتمّ بعد المجيء الثاني للمسيح، وقبل بدء الملك الألفي.
- تُحدِّد أي من الأمم الباقين أحياءً سيدخل إلى ملكوت المسيح الأرضي.
- تكشف عن المعيار الذي يستخدمه المسيح لتمييز المؤمنين الحقيقيين من غير المؤمنين في ذلك الوقت.
هذا المقال يركّز حصريًا على متى 25: 31–46، موضحًا متى تحدث هذه الدينونة، ومن الذي يُدان فيها، وما هو أساس الفرز بين الخراف والجداء.
«ومَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ، وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ.»
— متى 25: 31
2. إطار الدينونة وتوقيتها
2.1 السياق في متى 24–25
تأتي دينونة الأمم في ختام حديث المسيح المعروف بـ الخطاب على جبل الزيتون (متى 24–25)، حيث يعرض تسلسلاً زمنيًّا من الأحداث:
- أحداث الضيقة (متى 24: 4–28).
- المجيء الثاني للمسيح في المجد (متى 24: 29–31).
- أمثال تحذّر إسرائيل والمتظاهرين بالإيمان من عدم الاستعداد (متى 24: 45–25: 30).
- دينونة الأمم (متى 25: 31–46).
إذًا فهذه الدينونة ليست تصريحًا عامًا أو رمزيًا عن مجرى التاريخ كله، بل هي حدث إسكاتولوجي مستقبلي محدّد مرتبط مباشرةً بعودة المسيح الظاهرة والمجيدة.
«ومَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ، وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ.»
— متى 25: 31
ملامح أساسية لتوقيت هذه الدينونة:
- تجري بعد الضيقة العظيمة.
- تلي المجيء المنظور للمسيح إلى الأرض («متى جاء في مجده»).
- تقترن بجلوسه على كرسي مجده، أي على العرش الداودي/المسياني لحكم الأمم.
2.2 تمييزها عن الدينونة العظمى أمام العرش الأبيض العظيم
لأجل الدقّة في دراسة الإسكاتولوجيا الكتابية، يجب التمييز بين دينونة الأمم في متى 25 وبين الدينونة العظمى أمام العرش الأبيض العظيم في رؤيا 20: 11–15:
| العنصر | دينونة الأمم (متى 25: 31–46) | العرش الأبيض العظيم (رؤيا 20: 11–15) |
|---|---|---|
| التوقيت | بعد المجيء الثاني وقبل الألفية | بعد انتهاء الألفية |
| المكان | على الأرض («كرسي مجده») | أمام عرش عظيم أبيض؛ السماء والأرض هربتا من وجهه |
| موضوع الدينونة | الأمم/الوثنيون الأحياء (خراف وجدآء) | الأموات غير المؤمنين من كل العصور |
| ذكر القيامة؟ | لا | نعم – «الأموات... دِينوا» |
| المجموعات الموجودة | خراف، جداء، و«الإخوة» | الخطاة فقط؛ لا يُذكَر وجود جماعة مخلَّصة |
| النتيجة | فئة تدخل الملكوت، وأخرى إلى النار الأبدية | الجميع يُطرَحون في بحيرة النار |
إذًا فـ دينونة الأمم هي دينونة قبل الألفية للأحياء، لا الدينونة النهائية الشاملة لكل الأموات.
3. من يُدان؟ تحديد هوية الخراف والجداء و«الإخوة»
3.1 «جميع الأمم» – نطاق الدينونة
«وَيُجْمَعُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ.»
— متى 25: 32 (حسب المعنى)
تعبير «جميع الأمم» يترجم اللفظ اليوناني ta ethnē، وهو يُستعمَل غالبًا للدلالة على الأُمَم/الوثنيين (غير اليهود). في هذه الدينونة:
- التركيز هو على أفرادٍ من الأمم، لا على كيانات سياسية أو دول بصفتها المجرّدة.
- المسيح «يميز الناس بعضهم من بعض»، ما يدلُّ على دينونة شخصيّة فردية، وليست حكمًا قوميًّا جماعيًّا.
- هؤلاء هم الأحياء الناجون من الضيقة – أي الذين ظلّوا أحياء حتى لحظة ظهور المسيح.
وعليه، فهذه الدينونة لا تشمل:
- الأموات من العصور السابقة (هؤلاء يظهرون لاحقًا، إن كانوا غير مخلَّصين، أمام العرش الأبيض العظيم).
- قديسي الكنيسة المُقامين أو المتغيَّرين في الاختطاف (هؤلاء صاروا في الحالة الممجّدة ونالوا مكافآتهم عند كرسي المسيح).
- شهداء العهد القديم وشهداء الضيقة الذين سيُقامون ويمتلكون نصيبًا في الملك مع المسيح.
المقصود إذًا هو أفراد الأمم الأحياء الذين عبروا الضيقة العظيمة، والذين سيقفون الآن أمام المسيح ليُحسَم ما إذا كانوا سيدخلون الملك الألفي أم لا.
3.2 الخراف
الخراف هم الذين يُوضَعُون عن يمين المسيح (مكان الرضى والقبول):
«ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.»
— متى 25: 34
حقائق أساسية عن الخراف:
- يوصفون بأنهم «أبرار» (متى 25: 37، 46).
- هم مؤمنون حقيقيون – أعمالهم تُظهِر قلبًا تحوَّل بنعمة الله.
- يدخلون الملكوت وهم في أجساد بشرية فانية، وسيكونون من الذين يعمّرون الأرض من جديد في الألفية.
3.3 الجداء
الجداء يوضعون عن يسار المسيح، ويُوصَفون بأنهم «ملعونون»:
«ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اِذْهَبُوا عَنِّي يا مَلَاعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ.»
— متى 25: 41
حقائق أساسية عن الجداء:
- هم أمميّون غير مؤمنين رفضوا الحق أثناء الضيقة.
- غياب أعمال الرحمة تجاه إخوة المسيح يكشف عن قلب غير متجدّد.
- يُرفَعون من المشهد بالدينونة ويُرسَلون إلى العقاب الأبدي (متى 25: 46).
3.4 «أصاغر إخوتي هؤلاء»
المجموعة الثالثة – «أَصَاغِرَ هؤُلاَءِ إِخْوَتِي» – هي المفتاح لفهم معيار الدينونة:
«فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقُولُ لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ.»
— متى 25: 40
يطبِّق بعض المفسرين عبارة «إخوتي» على جميع الفقراء والمحتاجين، لكنّ سياق الحديث عن الأزمنة الأخيرة، مع لغة الكتاب المقدس عمومًا، يشير إلى مجموعة أكثر تحديدًا:
- «إخوتي» في فم الرب يسوع تُشير بصورة طبيعية إلى إخوته بحسب الجسد، أي اليهود.
- ضمن إطار الضيقة، غالبًا ما تتعلّق الآية بـ اليهود المؤمنين، ومن ضمنهم المئة والأربعة والأربعون ألفًا شهود الإنجيل (رؤيا 7)، الذين سيُعلنون «بشارة الملكوت» وسط اضطهاد عنيف.
- هؤلاء الإخوة سيكونون مضطهدين، مطرودين، مسجونين، ومهمَّشين خلال الضيقة العظيمة.
وعليه، تُدان الأمم بحسب تعاملها مع إخوة المسيح من اليهود، لا سيما اليهود المؤمنين الذين يكرزون برسالته في عالم معادٍ يهيمن عليه الضد المسيح.
4. معيار الدينونة: الأعمال كدليل على الإيمان
السؤال التفسيري الجوهري في متى 25: 31–46 هو: على أي أساس يُميَّز الخراف عن الجداء؟
4.1 ستة أعمال رحمة
يسرد الرب يسوع ستة أعمال محددة:
«لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي.
عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ.»
— متى 25: 35–36
والتهمة الموجّهة للجداء هي أنهم لم يفعلوا هذه الأمور (متى 25: 42–43).
هذه الأعمال:
- هي تعبيرات عملية عن الرحمة والولاء.
- وفي سياق الضيقة، تكون أعمالاً بالغة الخطورة: فمساندة شهود المسيح المضطهدين تُعرِّض الشخص لخسارة اقتصادية وربما للموت نفسه (انظر رؤيا 13).
- وتشكل دليلاً علنيًّا على موقف الشخص الحقيقي تجاه المسيح ورسالة الإنجيل.
4.2 ليست خلاصًا بالأعمال، بل أعمال تكشف الإيمان
من الضروري الحفاظ على التوازن الكتابي:
- الكتاب يعلّم بوضوح أنّ الخلاص بالنعمة، بواسطة الإيمان، وليس بالأعمال (أفسس 2: 8–9؛ تيطس 3: 5).
- ولكن الإيمان المخلِّص الحق يُنتِج دائمًا ثمرًا (يعقوب 2: 14–26).
في هذه الدينونة:
- الإيمان بالمسيح خلال الضيقة يُعلَن ويُظهَر من خلال أعمال المحبة الشجاعة تجاه إخوته المضطهدين.
- الخراف لم يُخلَّصوا بسبب أعمالهم الصالحة؛ بل عملوا أعمالاً صالحة لأنهم مخلَّصون.
- امتناع الجداء عن مساعدة إخوة المسيح يكشف عدم الإيمان واصطفافهم مع النظام العالمي المعادي لله.
لذا يمكن تلخيص معيار دينونة الأمم هكذا:
الاستجابة المُعلَنة من أفراد الأمم للمسيح وإنجيله خلال الضيقة العظيمة، كما تتجلّى في طريقة معاملتهم لإخوته اليهود.
4.3 الاتحاد بالمسيح والتماهي مع شعبه
تقدّم هذه الدينونة بُعدًا لاهوتيًّا مهمًّا، وهو اتحاد المسيح بشعبه وتماهيه معهم:
«بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ.»
— متى 25: 40«بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا.»
— متى 25: 45
وهذا يعني:
- أنَّ قبول رسله هو في جوهره قبول للمسيح نفسه.
- وأنَّ رفض شعبه المتألمين أو إهمالهم هو فعليًا رفض للمسيح ذاته.
دينونة الأمم تُظهِر علنًا هذا الاتحاد بين الملك وشعبه أمام عيون العالم.
5. نتائج الدينونة: دخول الملكوت والمصير الأبدي
تسفر دينونة الأمم عن اتجاهين أبديّين، ونتيجة تاريخيّة مباشرة.
5.1 الخراف: ميراث الملكوت والحياة الأبدية
«ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.»
— متى 25: 34«وَيَمْضِي الأَبْرَارُ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.»
— متى 25: 46
بالنسبة للخراف:
- إنهم يرثون الملكوت – أي يُسمَح لهم بالدخول إلى ملك المسيح الألفي على الأرض.
- كما ينالون أيضًا الحياة الأبدية؛ فيكون الملكوت هو المرحلة الأرضية التدبيرية من بركاتهم الأبدية.
- يدخلون الألفية وهم في أجساد طبيعية، ينجبون أولادًا، ويحيون تحت الحكم المباشر للمسيح الملك.
5.2 الجداء: العقاب الأبدي
«ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اِذْهَبُوا عَنِّي يا مَلَاعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ.»
— متى 25: 41«وَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ، وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.»
— متى 25: 46
بالنسبة للجداء:
- يُستبعَدون من على الأرض، ويُحرَمون من دخول الملكوت الألفي.
- يمضون إلى العذاب الأبدي، إلى نفس المصير النهائي الذي لإبليس وملائكته (انظر متى 25: 41؛ رؤيا 20: 10، 15).
- لا وجود لـ فرصة ثانية، ولا اختبار جديد، ولا تنقية جزئية؛ فالحكم نهائي وحاسم.
5.3 مدخل مُنقّى إلى الملكوت الألفي
النتيجة العملية لدينونة الأمم هي:
- أنَّ المؤمنين وحدهم – من اليهود والأمم – هم الذين يدخلون الألفية.
- وأنَّ كل غير المؤمنين من بين الأمم يُزالون، بحيث يبدأ الملكوت بشعب مولود من الله، تحت حكم المسيح العادل.
إذًا، تمثِّل دينونة الأمم نوعًا من دينونة بابيّة/انتقالية: هي العتبة الأخلاقية والروحية الفاصلة بين هذا الدهر الحاضر الشرير وبين الملكوت المسياني على الأرض.
6. الأهمية اللاهوتية في الإسكاتولوجيا الكتابية
تُسهم دينونة الأمم (الخراف والجداء) في متى 25: 31–46 في توضيح عدّة موضوعات رئيسية في علم الأخرويات الكتابي:
- سلطان المسيح ملكًا ودَيّانًا: فهو يجلس على كرسي مجده، ويمارس دينونة شاملة على الأمم.
- مركزية إسرائيل و«إخوة المسيح»: فطريقة تعامل الأمم مع إخوة المسيح اليهود – ولا سيما المؤمنين منهم – تُظهِر موقفهم الحقيقي من خطّة الله الخلاصيّة.
- إيمان مُختبَر في ظروف قصوى: في زمن الضيقة العظيمة تصبح الأعمال الظاهرة تجاه المؤمنين المضطهدين اختبارًا حادًّا لصدق الإيمان.
- برنامج دينونة متدرِّج ومنظَّم: فهذه الدينونة تقف إلى جانب كرسي المسيح (دينونة المؤمنين من الكنيسة)، ودينونة إسرائيل، والعرش الأبيض العظيم، ودينونة الملائكة الساقطين؛ ما يُظهِر أن معاملات الله الأخيرة منظَّمة ومقصودة ومميِّزة، وليست «يوم دينونة واحد» عامًّا بلا تمييز.
لدارسي نبوات الأيام الأخيرة، ينبغي قراءة متى 25: 31–46 بوصفه دينونة مستقبلية محدَّدة لـ الأمم الأحياء، لا كأساس لتبنّي لاهوت اجتماعي مبنيّ على الأعمال، ولا كإنكارٍ للخلاص بالنعمة بواسطة الإيمان. إنّه مشهد علني مهيب يُظهِر فيه الملك مَن الذين كانوا له حقًّا في أحلك ساعة في تاريخ الأرض، ومَن الذين لم يكونوا.
الخاتمة
إنَّ دينونة الأمم (الخراف والجداء) في متى 25: 31–46 هي دينونة أخروية مميَّزة، تقع بعد المجيء المجيد للمسيح، وقبل بدء ملكوته الألفي. موضوعها أفراد الأمم الأحياء، المجتمعون أمام كرسي المسيح، حيث يُفرَزون خرافًا وجدآء.
الخراف، الموصوفون بأنهم أبرار، هم الذين أظهرت عنايتهم المُضحّية بـ«إخوة» المسيح المضطهدين أثناء الضيقة إيمانًا حقيقيًّا بالملك. فيُقال لهم: «تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ…». أمّا الجداء، فإنّ لا مبالاتهم وعداوتهم، التي تكشف عدم إيمانهم، تقودهم إلى النار الأبدية.
إنَّ معيار هذه الدينونة لا ينقض حقيقة الخلاص بالنعمة، بل يؤكّد بقوّة أنّ الإيمان الحقيقي لا يبقى خفيًّا؛ ففي الظروف القصوى يظهر في صورة ولاء للمسيح ومحبة لشعبه. ومن خلال هذه الدينونة، يبرِّر المسيح شعبه علنًا، ويطهِّر الأرض لملكه، ويحسم إلى الأبد مصير الأمم الذين عاشوا إلى أن رأوا مجيئه.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س: هل دينونة الأمم في متى 25 هي نفسها الدينونة أمام العرش الأبيض العظيم؟
لا. دينونة الأمم (الخراف والجداء) تقع بعد المجيء الثاني للمسيح وتختصّ بـ الناجين الأحياء من الأمم بعد الضيقة. أمّا الدينونة أمام العرش الأبيض العظيم في رؤيا 20: 11–15 فتقع بعد الألفية، وتختصّ بـ الأموات غير المؤمنين من كل العصور، الذين يُطرَحون في بحيرة النار.
س: من هم «الخراف» و«الجداء» في دينونة الأمم؟
الخراف يرمزون إلى الأمميين المؤمنين الذين أظهروا خلال الضيقة إيمانًا حقيقيًّا بالمسيح من خلال رعاية «إخوته» المضطهدين. أمّا الجداء فيمثّلون الأمميين غير المؤمنين الذين كشف رفضهم معاونة إخوة المسيح عن رفضهم له. وكلتا المجموعتين هما من الأفراد الأحياء، لا من الأمم بمعنى الكيانات السياسية، ولا من المؤمنين في زمن الكنيسة قبل الضيقة.
س: من هم «أصاغر إخوتي هؤلاء» في متى 25: 40؟
في هذا السياق الأخروي، تشير عبارة «إخوتي» بصورة طبيعية إلى إخوة يسوع بحسب الجسد، أي اليهود، وبالأخص اليهود المؤمنين الذين يكرزون بالإنجيل خلال الضيقة ويتعرّضون لاضطهاد قاسٍ. إنَّ طريقة تعامل الأمم مع هؤلاء الإخوة تصبح الدليل المنظور على استجابتهم للمسيح ولرسالته.
س: هل تعلِّم دينونة الأمم الخلاص بالأعمال؟
لا. فالكتاب المقدّس يعلّم بإجماع أنّ الخلاص هو بالنعمة، بواسطة الإيمان. في متى 25، تُذكَر الأعمال (إطعام، كسوة، زيارة، إيواء) بوصفها دليلاً على الإيمان الحقيقي، لا سببًا للخلاص. أعمال الخراف تُظهِر أنهم كانوا للمسيح حقًّا؛ وإهمال الجداء يكشف أنهم لم يكونوا له.
س: ماذا يحدث للخراف والجداء مباشرة بعد هذه الدينونة؟
الخراف يُدعَون إلى رِثَة الملكوت، فيدخلون الملك الألفي على الأرض بأجسادهم الفانية، ليحيوا تحت حكم المسيح ويُسهموا في إعادة ملء الأرض بالسكان. أمّا الجداء فيُرفَعون في الدينونة، ويمضون إلى العذاب الأبدي، محرومين من دخول الملكوت، ومطروحين في النار الأبدية المُعَدّة لإبليس وملائكته.
L. A. C.
لاهوتي متخصص في الأخرويات، ملتزم بمساعدة المؤمنين على فهم كلمة الله النبوية.
مقالات ذات صلة
الكتب المفتوحة عند الدينونة العظمى أمام العرش الأبيض
الكتب المفتوحة عند العرش الأبيض العظيم في رؤيا 20: دراسة كتاب الحياة وكتب الأعمال وسجلات السماء ودورها في الدينونة النهائية لكل إنسان.
ما هو يوم الرب؟
يوم الرب في النبوات: ما معناه زمنياً ولاهوتياً؟ دراسة كتابية في يوم الرب كزمن دينونة واستعلان غضب الله ثم الاسترداد والرجاء الاسكاتولوجي.
الموت وغير المؤمن
الموت وغير المؤمن يشرح بحسب الكتاب المقدس ما يحدث بعد الموت، دينونة النفس الواعية، والمصير الأبدي لكل من يموت بلا إيمان خلاصي حقيقي بالمسيح.
هل توجد درجات للعقاب في الجحيم؟
درجات العقاب في الجحيم: دراسة كتابية لِمَا يعلّمه الرب يسوع والكتاب المقدس عن تفاوت الدينونة والمسؤولية في عذاب الجحيم الأبدي.