ما هو السماء؟

individual-eschatology11 دقيقة قراءة

1. المقدّمة

في علم الأخرويات الكتابي، لا تُعتبَر السماء فكرةً روحية غامضة، بل واقعًا حقيقيًا مخلوقًا من الله. يتحدّث الكتاب المقدّس عن السماء بأكثر من معنى واحد، لكنّه يربطها دائمًا بـ حضور الله، وسيادته، وشركةِه مع شعبه المفديّ. ولنفهم ما هي السماء وما معناها، يجب أن نتتبّع استخدام الكتاب المقدّس لكلمة "السماء"، ونُميِّز بين "السموات" المختلفة، ثم نتأمّل في السماء باعتبارها البيت الأبدي النهائي للمخلَّصين.

يركِّز هذا المقال على:

  • المعاني الكتابية لكلمة "السماء"
  • التمييز بين السموات المختلفة
  • السماء كمحلّ سكنى الله الحالي
  • السماء كـ سماء جديدة وأرض جديدة مع أورشليم الجديدة
  • الطبيعة الجوهريّة للسماء بحسب الكتاب المقدّس

جميع الاقتباسات بصياغة قريبة من ترجمات الكتاب المقدس بالعربية (فاندايك/المشتركة).


2. المصطلح الكتابي "السماء" واستعمالاته الثلاثة

يستعمل الكتاب المقدّس الكلمة المترجمة "السماء" (العبرية شَمايِم، اليونانية أورانوس) في ثلاثة استعمالات رئيسية. إدراك هذه الاستعمالات ضروري لبناء عقيدة كتابية عن السماء.

2.1 السماء الجويّة (السماء الأولى)

هذه هي السماء بمعنى الجوّ – عالم الغيوم والرياح والطقس.

  • في رواية الطوفان نقرأ:

    «فانفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء. وكان المطر على الأرض أربعين يومًا وأربعين ليلة.»
    تكوين ٧: ١١–١٢

  • ويقول المزمور عن الله:

    «الْمُغَطِّي السَّمَاءَ بِالسُّحُبِ، الْمُعِدِّ لِلارْضِ مَطَرًا…»
    مزمور ١٤٧: ٨

هنا تشير كلمة "السماوات" إلى غلاف الأرض الجويّ، السماء المنظورة فوقنا.

2.2 السماء النجمية أو الكوكبية (السماء الثانية)

هذه هي السماء الكونية – الفضاء الذي فيه الشمس والقمر والنجوم والمجرّات.

  • في اليوم الرابع من الخليقة:

    «فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ… وَالنُّجُومَ. وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ.»
    تكوين ١: ١٦–١٧

هذه هي المنطقة الفلكية، الكون الذي يتجاوز الغلاف الجويّ.

2.3 السماء الثالثة: مسكن الله

الـ سماء الثالثة هي العالم الروحي غير المنظور حيث:

  • عرش الله
  • مساكن الملائكة القدّيسين
  • ومحلّ حضور المؤمنين المنتقلين الآن مع المسيح

يسجِّل بولس:

«أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ… اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ… اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا…»
٢ كورنثوس ١٢: ٢–٤

هذه "السماء الثالثة" متميّزة عن السماء والنجوم. وهناك يعلّمنا يسوع أن نوجّه صلاتنا إلى الله:

«أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ.»
متى ٦: ٩

لكن القول إنّ الله "يسكن في السماء" لا يعني أنّه محصور في مكانٍ معيّن. فالله كلّي الحضور:

«لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ!»
١ ملوك ٨: ٢٧

الـ سماء الثالثة هي مركز إظهار مجده وسلطانه – إن صحّ التعبير، هي "مقرّ ملكوته" المركزي.


3. السماء كمحلّ سكنى الله الحالي

3.1 عرش الله والحمل

يفتح سفر الرؤيا أمامنا باب السماء:

«وَهُوَذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ.»
رؤيا ٤: ٢

من هذا العرش:

  • يحكم الله على كل الخليقة (مزمور ١٠٣: ١٩)
  • وتعبده الكائنات السماوية بلا انقطاع (رؤيا ٤–٥)
  • ويخدم المسيح كرئيس كهنة وشفيع عن المؤمنين:

    «الْمَسِيحُ… هُوَ أَيْضًا عَن يَمِينِ اللهِ، الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا.»
    رومية ٨: ٣٤
    «لَنَا شَفِيعٌ عِندَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ.»
    ١ يوحنا ٢: ١

3.2 المسكن الحالي للمؤمنين المنتقلين

عندما يموت المؤمن، ينتقل فورًا إلى حضرة المسيح في السماء، لا إلى "نوم نفس" ولا إلى الفناء.

لذلك قال بولس:

«لِيَ اشْتِيَاقُ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا.»
فيلبي ١: ٢٣

ويقول أيضًا:

«وَنَسْتَوْدِعُ… وَنُسَرُّ بِالْأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ.»
٢ كورنثوس ٥: ٨

ويتكلّم العبرانيين عن:

«مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ، أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ… وَأَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ.»
عبرانيين ١٢: ٢٢–٢٣

هذه السماء الحالية ليست بعدُ الحالة النهائية للمؤمن. إنّها مسكن سماويّ وسيط بينما تتقدّم أحداث التاريخ نحو القيامة، وعودة المسيح، وخلق سماء جديدة وأرض جديدة.


4. السماء كبيت المؤمن الأبدي: سماء جديدة، أرض جديدة، أورشليم جديدة

الجواب الكتابي الحاسم عن "ما هي السماء؟" يُقدَّم في رؤيا ٢١–٢٢: السماء في معناها النهائي هي الخليقة الجديدة حيث يسكن الله مع شعبه إلى الأبد.

4.1 السموات الجديدة والأرض الجديدة

بعد الدينونة الأخيرة، يقول يوحنا:

«ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا…»
رؤيا ٢١: ١

ويشير بطرس إلى نفس الحقيقة:

«وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ.»
٢ بطرس ٣: ١٣

نقاط أساسيّة:

  • الـ كون الحاضر – السموات والأرض – مَصيرُه دينونة بالنار (٢ بطرس ٣: ٧، ١٠–١٢).
  • بعد ذلك سيقوم الله بـ خلق "سموات جديدة وأرض جديدة" خالية من اللعنة وموسومة بـ البرّ.
  • الأمر لا يقتصر على "الصعود إلى السماء"، بل هو نزول السماء إلى الأرض في خليقةٍ متحوِّلة.

إذن، بالمعنى الأبدي النهائي، السماء هي النظام المتجدِّد بكماله – الكون الجديد الذي يملأ حضورُ الله كلّ جنباته.

4.2 أورشليم الجديدة: عاصمة السماء

في قلب الخليقة الجديدة توجد مدينة حقيقية:

«وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ، نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، مُهَيَّأَةً كَعَرُوسَةٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا.»
رؤيا ٢١: ٢

هذه الـ أورشليم الجديدة هي:

  • المسكن المركزي لله مع شعبه
  • مدينة حقيقية مجيدة، لها أبواب وأسوار وأُسُس وشوارع
  • موصوفة بأبعاد حقيقية:

    «وَالْمَدِينَةُ كَانَتْ مُتَرَبَّعَةً، طُولُهَا بِقَدْرِ الْعَرْضِ… اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفِ غَلْوَةٍ.»
    رؤيا ٢١: ١٦

ومن ملامحها:

  • اثنا عشر بابًا من لؤلؤ، منقوشٌ عليها أسماء أسباط بني إسرائيل الاثني عشر (رؤيا ٢١: ١٢–١٣، ٢١)
  • اثنا عشر أساسًا مزيّنة بحجارة كريمة، مكتوبٌ عليها أسماء رسل الحَمَل الاثني عشر (رؤيا ٢١: ١٤، ١٩–٢٠)
  • سور من يشب، وشوارع من «ذَهَبٍ نَقِيّ كَالزُّجَاجِ الشَّفَّافِ» (رؤيا ٢١: ١٨، ٢١)

هذه المدينة تنزل من السماء الثالثة الحالية إلى الأرض الجديدة وتصبح المركز الأبدي المنظور لملكوت الله.

4.3 نزول السماء: سُكنى الله مع الإنسان

أعظم حقائق هذه السماء الأبدية على الأرض الجديدة هي حضور الله المباشر:

«هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شُعُوبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلَهًا لَهُمْ. وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ…»
رؤيا ٢١: ٣–٤

ولا يوجد هيكل في أورشليم الجديدة:

«وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلًا، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هُوَ وَالْخَرُوفُ هُمَا هَيْكَلُهَا.»
رؤيا ٢١: ٢٢

السماء في صورتها النهائية هي الله نفسه مع شعبه في خليقةٍ مكمَّلة، لا مجرّد نفوسٍ بلا أجساد في عالَمٍ بعيد.


5. طبيعة السماء: ما الذي يميّزها؟

من الناحية الكتابية، تُعرَّف السماء أكثر بحسب مَنْ فيها وبحسب ما هو موجود فيها وما هو غير موجود، وليس بأفكارٍ مجرّدة. ومن أبرز الموضوعات الكتابية:

5.1 حضور الله ومجده

السِّمة الغالبة للسماء هي مجد الله:

«وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِكَيْ يُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا.»
رؤيا ٢١: ٢٣

ويتمتّع المؤمنون بما يسمّيه اللاهوتيون الرؤية التطويبيّة:

«وَهُمْ سَيَعَايِنُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ.»
رؤيا ٢٢: ٤

إنّ رؤية الله "وجهًا لوجه" (انظر ١ كورنثوس ١٣: ١٢) هي:

  • إشباع كل شوقٍ وحنين
  • نهاية الإيمان والرجاء في المعاينة والواقع
  • مصدر فرحٍ وعبادةٍ لا ينتهيان

5.2 التحرّر من اللعنة والخطيّة والموت

السماء هي عالَم بلا سقوط:

«وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ.»
رؤيا ٢٢: ٣

«وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ…»
رؤيا ٢١: ٤

لذلك، في السماء:

  • لا خطيّة ولا إمكانيّة للسقوط
  • لا حزن ولا ألم ولا ندم
  • لا موت ولا فساد ولا انحلال
  • لا ظلم ولا نجاسة:

    «وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ، وَلاَ مَا يَصْنَعُ رِجْسًا وَلاَ كَذِبًا، إِلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ.»
    رؤيا ٢١: ٢٧

5.3 شعبٌ مُكمَّل في أجسادٍ ممجَّدة

السماء هي حياة جسديّة ممجَّدة. فالمؤمنون سيُقامون ويُغيَّرون:

«الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى شَكْلِ جَسَدِ مَجْدِهِ…»
فيلبي ٣: ٢١

«فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسَ عَدَمَ مَوْتٍ… وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ.»
١ كورنثوس ١٥: ٥٢

الأجساد الممجَّدة:

  • غير مائتة (لا موت)
  • غير فاسدة (لا تَلف ولا انهيار)
  • قويّة ومجيدة (مهيّأة للخدمة العباديّة)
  • تبقى إنسانيّة حقيقية، ولكنها محرَّرة بالكامل من الخطيّة

5.4 عبادة لا تنقطع وخدمة مملوءة فرحًا

السماء مكان عبادة ونشاطٍ ذي معنى، لا بطالةٍ أو ملل.

  • العبادة:

    «وَلاَ يَزَالُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا قَائِلِينَ: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ…»
    رؤيا ٤: ٨

  • الخدمة والملك:

    «وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ… وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.»
    رؤيا ٢٢: ٣، ٥

المؤمنون سوف:

  • يخدمون كـ مملكةٍ من كهنة (رؤيا ١: ٦؛ ٥: ١٠)
  • يملكون مع المسيح في ملكوته الأبدي
  • ينمون باستمرار في معرفة الله (مخلوقات محدودة تفرح إلى الأبد بالإله غير المحدود)

5.5 شركة كاملة وتنوّع مقدَّس

السماء مجتمعيّة بعمق:

«جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُعِدَّهُ، مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَقَبَائِلَ وَشُعُوبٍ وَأَلْسِنَةٍ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ…»
رؤيا ٧: ٩

وعلى الأرض الجديدة:

«وَتَمْشِي شُعُوبُ الأُمَمِ فِي نُورِهَا، وَمُلُوكُ الأَرْضِ يَجْلِبُونَ إِلَيْهَا مَجْدَهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ.»
رؤيا ٢١: ٢٤

النتائج:

  • تعارفٌ حقيقي وشركةٌ عميقة بين المفديّين
  • استمرار التمييزات القوميّة والإثنيّة، ولكن بعد تنقيتها من كلّ خطيّة
  • لا علاقات مكسورة؛ فالمحبّة كاملة وأبديّة (١ كورنثوس ١٣: ١٣)

6. مَن في السماء؟

يُظهِر الكتاب المقدّس سكّان السماء في صورتها الحاليّة وصورتها الأبديّة.

6.1 الله الثالوث

  • الله الآب: «الْجَالِسُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ» (مزمور ٢: ٤)
  • الله الابن: مُمجَّد عن يمين الآب (عبرانيين ١: ٣)، الحمل على العرش (رؤيا ٥: ٦–١٤)
  • الله الروح القدس: حاضر «أَمَامَ عَرْشِهِ» (رؤيا ١: ٤), وفاعلٌ في العبادة السماوية وفي دعوة الناس إلى الخلاص (رؤيا ٢٢: ١٧)

6.2 الملائكة القدّيسون

ربوات من الملائكة يخدمون الله ويسبّحونه:

«وَنَظَرْتُ، وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ… عَدَدُهُمْ رَبَوَاتُ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفُ أُلُوفٍ.»
رؤيا ٥: ١١

وهم:

  • يعبدون الله
  • ينفِّذون وصاياه
  • يخدمون «الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ» (عبرانيين ١: ١٤)

6.3 المفديّون من جميع العصور

يقدّم عبرانيين ١٢: ٢٢–٢٣ صورة مركَّبة عن سكّان المدينة السماويّة:

  • «رَبَوَاتٍ مَحْفِلًا مَلَائِكَةٍ»
  • «كَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ» (مؤمنو العهد الجديد)
  • «أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ» (قدِّيسو العهد القديم وسائر القدّيسين)

ويضيف رؤيا ٢١–٢٢ أنّ:

  • الذين يدخلون المدينة هم فقط الذين أسماؤهم مكتوبة في سِفْرِ حَيَاةِ الْحَمَلِ (رؤيا ٢١: ٢٧)
  • أمّا الآخرون – غير المؤمنين والرافضين – فيُطرَحون في بُحَيْرَةِ النَّارِ (رؤيا ٢٠: ١١–١٥؛ ٢١: ٨)

إذًا، السماء هي البيت الأبدي الحصريّ للمخلَّصين – الذين وضعوا ثقتهم في المسيح وحده للخلاص.


7. الخاتمة

بحسب الكتاب المقدّس، فإنّ السماء هي:

  • من جهة، الجوّ والكون المرصَّع بالنجوم (السماء الأولى والثانية)
  • ومن جهة أعمق، السماء الثالثة، مسكن الله الحالي، وموضع الملائكة والموتى المؤمنين
  • وفي معناها الكامل الأبدي، هي سموات جديدة وأرض جديدة مع أورشليم الجديدة، حيث يسكن الله مع شعبه المفديّين إلى الأبد

السماء هي في آنٍ واحد مكان وحالة:

  • عالمٌ حقيقي مخلوق – كون جديد ومدينة واقعية موصوفة بألفاظ ملموسة
  • وحالة مكمَّلة – بلا خطيّة، بلا لعنة، بلا موت؛ فرح كامل، محبّة كاملة، وعبادة كاملة

وفوق كل شيء، السماء هي حضور الله في شركةٍ بلا حجاب:

«أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ، فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ.»
مزمور ١٦: ١١

إنّ الفهم الكتابي للسماء لا يراها هروبًا من الخليقة، بل خليقةً مُجدَّدة مملوءةً من مجد الله وفرح شعبه، مركزُها الأبديّ هو «عَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوفِ» (رؤيا ٢٢: ١).


الأسئلة الشائعة (FAQ)

س: كم سماءً يذكر الكتاب المقدّس؟

يستعمل الكتاب المقدّس كلمة "سماء" بثلاثة معانٍ رئيسيّة: السماء الجويّة (السماء والغيوم)، والسماء النجمية (الفضاء الخارجي حيث الشمس والقمر والنجوم)، والسماء الثالثة، وهي مسكن الله. يذكر بولس صراحةً اختطافه إلى "السماء الثالثة" في ٢ كورنثوس ١٢: ٢، مميّزًا إيّاها عن السموات المنظورة.

س: هل السماء مكان مادّي أم حالة روحية فقط؟

كتابياً، السماء كلاهما معًا. فالسماء الثالثة الحالية هي عالَمٌ روحيّ حقيقيّ حيث عرش الله. وفي الحالة الأبدية المستقبلية، تشمل السماء سموات جديدة وأرضًا جديدة وأورشليم جديدة حرفيّة ذات أبعادٍ محدَّدة وأبواب وأسوار وشوارع (رؤيا ٢١–٢٢). ليست السماء مجرّد حالة نفسية، بل خليقة متجدِّدة حقيقية.

س: ماذا سنفعل في السماء؟

يؤكّد الكتاب المقدّس على العبادة والخدمة. فشعب الله «يَخْدِمُونَهُ» و«سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ» (رؤيا ٢٢: ٣، ٥). سيرون وجه الله، ويتعلّمون عنه بلا نهاية، ويمارسون نشاطًا ذا معنى وبلا خطيّة في خليقةٍ مكمَّلة. السماء ليست بطالة، بل خدمة مفرِحة بلا كلل وشركة دائمة في حضرة الله.

س: هل سنتعرّف على بعضنا البعض في السماء؟

نعم. يفترض الكتاب المقدّس استمرار الهويّة الشخصيّة والتعرّف المتبادل. في حادثة التجلّي تعرَّف التلاميذ إلى موسى وإيليا (متى ١٧: ١–٤). ويتكلّم عبرانيين ١٢: ٢٣ عن «أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ»، ما يدلّ على أشخاصٍ متميّزين في شركة. أجسادنا الممجَّدة ستكون استمرارًا منظومًا لذواتنا الحالية، يمكن التعرّف عليها (١ كورنثوس ١٥: ٤٢–٤٩).

س: ما الفرق بين السماء الحالية و«السموات الجديدة والأرض الجديدة» في المستقبل؟

الـ سماء الحالية (السماء الثالثة) هي حيث يُظهِر الله الآن مجده، وحيث يذهب المؤمنون بعد الموت ليكونوا «مَعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١: ٢٣). بعد عودة المسيح والدينونة الأخيرة وفناء الكون الحاضر، سيخلق الله سموات جديدة وأرضًا جديدة. حينئذٍ تنزل أورشليم الجديدة، ويسكن الله مع شعبه إلى الأبد (رؤيا ٢١: ١–٣). تلك الخليقة المتجدِّدة هي السماء في صورتها النهائية الأبدية.

Share Article

L. A. C.

لاهوتي متخصص في الأخرويات، ملتزم بمساعدة المؤمنين على فهم كلمة الله النبوية.

مقالات ذات صلة